مقبرة معدنية مهولة: كأنما النبطية تبيع أجزاءها وذكرياتها

محاولات التقاط الأنفس
الحياة في أقضية النبطية لا تزال غير طبيعية، رغم محاولات السكان المضنية لاستعادتها. وجوههم لا تزال شاحبة، وملامحهم مثقلة بصبر يوشك على النفاذ. في دير الزهراني، البلدة التي يسكنها حوالي عشرة آلاف نسمة، يبدو المشهد كأنما الحياة معلّقة على حبال من الانتظار.
يروي رئيس البلدية حسن زواوي أن 83 وحدة سكنية دُمّرت بالكامل، وعشر وحدات أخرى تضررت جزئياً. يقول بحزن مشوب بالعجز: “أغلب من فقدوا بيوتهم اضطروا لاستئجار مساكن قريبة، لأنهم لا يريدون الابتعاد كثيرًا”. كأنما الخروج إلى أماكن أبعد سيجعلهم يفقدون ما تبقى لهم من آثار الوجود، من الذاكرة، من الطمأنينة القليلة التي لا تزال تحوم فوق الركام.
في أقضية النبطية، حيث دُمر 220 عقارًا وتضررت 1900 وحدة سكنية بأضرار متفاوتة، عادت المياه والكهرباء والإنترنت جزئيًا عبر آبار وتمديدات محلية.
تتوزع عائلات القرى الحدودية، التي هجّرت قسرًا بفعل الدمار، في قضاء النبطية. لا شيء هنا يوحي بأن الأمور يمكن أن تعود قريباً إلى ما كانت عليه. حسن، شاب من ميس الجبل، يقف على رصيف في الكفور يفرش بعض الأدوات الكهربائية وأواني المطبخ لبيعها. يده تتحرك بلا مبالاة، لكن صوته يكشف عن يأس مكتوم: “ما فينا نقعد بالضيعة، طلينا ورجعنا.. وجزء كبير من جيراننا هون”.
لا سلام مع العدو
البحث عن لقمة العيش أصبح مهمة يومية، ووسيلة لتجنّب التفكير في حجم الفقدان. يبيع حسن بضاعته هنا على أمل تأمين قوت يوم آخر من العيش. لكأنه يتعلم الآن كيف يمشي على أطراف أصابعه فوق هاوية اليأس.
ولا يختلف المشهد كثيرًا في النبطية الفوقا. هنا، يبدو أن الحياة تتقدم ببطء، كما لو أن كل خطوة للأمام يجب أن يقابلها خوف من خطوة أخرى إلى الوراء. بعض المنازل التي سويت بالأرض لا تزال أطلالًا، بينما البعض الآخر بدأ أصحابه بإعادة بنائه على عجل: “نحن انصدمنا من اللي انعمل فينا. أنا لا أنكر أننا أكلناها هذه المرة”، يقول أحمد، رجل في منتصف العمر، وهو يقف أمام منزله المهدّم جزئيًا. ويضيف بنبرة فيها شيء من العناد: “بدنا راحة بال، بس ما بدنا سلام مع إسرائيل. لا أمن ولا أمان مع الإسرائيلي”.
حديث أحمد يشبه اعترافًا بالقهر، لكنه اعتراف لا يترك مجالًا للتراجع أو الانكسار. يؤكد أن هناك حركة إعمار محدودة، لكن الناس مترددة ومتخوفة من الأوضاع. الأضرار الجزئية رُممت بمعظمها، أما البيوت التي سُويت بالأرض فمصيرها لا يزال معلّقًا، والناس دبّرت أمورها.
في زوطر، يقول حسن عمار، بصوت منخفض لكنه حازم، كأنه يتحدث عن حقيقة يعرفها كل أهل الجنوب “المغادر صعبة والرجعة أصعب. رجعنا والوضع غير مريح، وأسوأ”. ويضيف: “لا عمل، الناس متخوفة من الإنفاق على الترميم، وتخاف من المجهول وتحاول أن تقتصد لربما عادت الحرب مجدداً. لا جدول زماني واضح، ولا أحد يعلم متى ينتهي الاتفاق ونعود إلى الحرب من جديد”.
تعويذة تحدي جماعية
في كلماته يمتزج الألم مع الإدراك البارد بأن كل شيء مؤقت. لا عمل، فقط محاولات بائسة لتدبير أمور يومية تتحول إلى معركة بقاء. كأنما الحياة كلها باتت معلقة على خيط واهن بين استمرار الهدنة وانفجارها في أي لحظة.
على بعد أمتار، يقف ناصر سليمان في زوطر، يضع يده على حجر وكأنه يستنطقه ليخبره بما حدث. رجل في منتصف العمر، غزا الشيب شعره وفي عينيه بريق من تحدٍّ لا ينطفئ. يتحدث بنبرة أشبه بالتهديد: “لا يمكننا أن ننتظر أكثر، وهذه طريقة للإيصال للعدو أننا لن نغادر أرضنا. لا يمكننا أن نبقى مشردين”. ويبدو حديثه أشبه بتعويذة جماعية يتلوها كل الناجين من جحيم الدمار. وتأكيد أن ما حدث ليس كارثة طبيعية بل حرب ومحاولة اقتلاع من الأرض والذاكرة نفسها. لذا يحاول ناصر أن يعيد بناء منزله كما كان تمامًا، ليس فقط ليؤكد وجوده، بل ليستعيد ذاكرة تتآكل في كل يوم يمر من دون أن يستعيد ما سُلب منه.
يقول سليمان الذي بدأ بإعادة إعمار بيته، بحدة فيها شيء من الكبرياء: “أريد أن أعيد بناء المنزل كما كان، فقط من أجل ذكريات أولادي”. كأنما فكرة الإعمار هنا لا تتعلق بإعادة بناء الجدران، بل بإعادة بناء الحكاية. ذلك الشعور الدفين بأن الإنسان يحتاج إلى مكان محدد يظل ملتصقًا به، مهما حاولت القوى الكبرى اقتلاعه منه.
مقبرة السيارات المتفحّمة
في بورة الخردة في التول، حيث تتكدّس بقايا المنازل والسيارات كأنها مقبرة حديدية مفتوحة لكل ما تبقى من حياة الناس، تتعالى أصوات المطارق والآلات. مشهد الحديد المتناثر والمنازل المهشمة والسيارات المحطمة يمنح المكان هيبة الموت المؤجل، كأن كل شيء هنا ينتظر أن يتحول إلى رماد. هنا حيث يُفكك الحديد ويُباع، وتُختصر حياة كاملة في وزن يُحسب بالكيلوغرامات. حديد بيوت الجنوبيين وسياراتهم مرمية على بعضها البعض، تنتظر من يبيعها لمن يملك المال أو القدرة على تحويلها إلى ربح.
الأجواء هنا مشحونة بقلق واضح من العقوبات الأميركية. أبو علي الشرقاوي، أحد التجار الذين اعتادوا التعامل بالخردة، يبدو وكأنه يتحرك في مساحة ضيقة من الخوف والحذر. يرفض الإدلاء بأي معلومة محددة، يتحدث وكأنما الكلمات قد تتحول إلى أدلة قد تدينه في عالم غير مرئي لكنه حاضر بسطوته: “ما بتاخدوا مني لا حق ولا باطل، بركي الأميركان طلعوا بقرار ممنوع تصدير الخردة من لبنان”. لكن المعلومات تشير إلى أن من النبطية الفوقا وحدها تم سحب 170 سيارة للخردة حتى الآن، ما يعني أن أعداد السيارات المتكدسة في بؤر الخردة تقدر بالآلاف.
لا يمكن التخفيف من وطأة الحقيقة في هذه المقبرة المعدنية. ربما كانت كل قطعة حديد هنا جزءًا من ذاكرة أو حياة أو حلم، الآن صارت مجرد خردة. كأنما الجنوب كله يبيع أجزاء من نفسه ليبقى على قيد الحياة. وكأنما الصوت المعدني للمعاول هو موسيقى الخوف التي تحاول أن تترجم ما لا يمكن نطقه.
هنا، بين الأشلاء المعدنية، يبدو أن المعركة لم تنتهِ بعد. بل ربما بدأت من جديد، معركة البقاء على أرض محروقة، حيث الخوف نفسه يصبح جزءًا من التجارة، وحيث الذاكرة تتحول إلى معدن قابل للذوبان، للبيع، أو للطي، أو لإعادة الاستخدام.