تقارير

يديعوت أحرونوت: كيف أصبح وقف إطلاق النار في الشمال فخاً؟

نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية تقريراً تحت عنوان: “تحوّل الشريك إلى عبء: كيف أصبح وقف إطلاق النار في الشمال فخًا خطيرًا؟”، اعتبرت فيه أنّ “الوضع القائم في لبنان يشكّل عمليًا هديةً لحزب الله؛ إذ إن حرية عمل الجيش الإسرائيلي مقيّدة بفعل التنسيق مع الولايات المتحدة، بينما يستغلّ التنظيم وجود مقاتليه على الأرض لإعادة ترميم موقعه في الرأي العام. وقد أقرّ قادة كبار بمرارة: “إذا عاد السكان إلى هذه الواقع، فنحن لم ننجز شيئًا”. 

وأضاف أنّ “البنية الاستراتيجية التي تشكّلت خلال الأسبوعين الماضيين في جنوب لبنان تُعدّ إشارة تحذير صارخة. فهي تخدم حزب الله وتضع الجيش الإسرائيلي أمام واقع عملياتي معقّد ومكشوف. صحيح أن الجيش شنّ هجومًا أمس في البقاع، في عمق الأراضي اللبنانية، في خطوة تعكس تصعيدًا إضافيًا، إلا أنه ما زال مقيّدًا بتوجيهات المستوى السياسي، عاجزًا عن العمل بحرية، ويدفع ثمن “الشراكة الاستراتيجية” مع قوة عظمى—وهو ثمن لا يجرؤ أحد على تسميته علنًا”. 

“الشريك” وثمنه

وبحسب الصحيفة “يطلق الجيش الإسرائيلي على الأميركيين وصف “الشريك”. ولا شك أن التعاون الأمني مع واشنطن غير مسبوق وحاسم في مواجهة إيران، لكنه يتحول في الساحة اللبنانية إلى عبء. فعندما تتعارض مصالح واشنطن مع الاحتياجات الأمنية الفورية لإسرائيل، تدفع الأخيرة ثمنًا دمويًا في لبنان. والنتيجة: قتال “بنصف قوة”، حيث تكبّل الاستراتيجية السياسية اليد العملياتية.

ويتابع: “الحقيقة المؤلمة أن الحملة في لبنان ليست سوى أداة ضمن ساحة أوسع: المفاوضات مع إيران. فالبيت الأبيض يدفع باتجاه سياسة “الاستنزاف الاقتصادي”، وهي استراتيجية قد تنجح في مواجهة طهران، لكنها تقوّض أمن الشمال، الذي يُضحّى به على مذبح المصالح الإيرانية”.

وتعتبر الصحيفة أنّ “وقف إطلاق النار ينهار يوميًا. خلال 11 يومًا فقط، سقط ثلاثة قتلى: اثنان بعبوات مزروعة مسبقًا، وثالث بطائرة مسيّرة مفخخة. حزب الله يزرع العبوات، يطلق الصواريخ، يناور بقواته، ويشغّل الطائرات المسيّرة. في المقابل، يدمّر الجيش منصات الإطلاق ويقضي على مقاتلين—لكن النيران مستمرة. هذه ليست هدنة، بل حرب استنزاف دامية بالتقسيط. والهجوم الأخير في البقاع، وهو الأول منذ أسابيع خارج جنوب لبنان، يطرح تساؤلات: هل نحن أمام تصعيد أوسع؟ وهل سيرد حزب الله بتوسيع دائرة النار لتشمل حيفا والمستوطنات؟”.

الفخ الاستراتيجي

وبحسب المقال: “يواصل الجيش تغطية المنطقة حتى الخط الأصفر، وتدمير البنى التحتية وجمع الأسلحة. لكن لذلك ثمنًا: إذ يخوض حزب الله القتال بوتيرة مريحة له، مركّزًا الهجمات، ما يتيح له إدارة معركة استنزاف فعّالة”. ويضيف: “يسعى حزب الله، الذي يقدّم نفسه مدافعًا عن لبنان، إلى إفشال أي مسار تفاوضي. وقد أوضحت رسالة أمينه العام الأخيرة أنه لا نزع للسلاح ولا استسلام، وأن السكان سيعودون إلى القرى المُخلاة في الجنوب. إن الوجود العسكري على الأرض يمنح حزب الله زخمًا أيديولوجيًا، إذ يروّج لرواية مقاومة الغزو الإسرائيلي. ومع كل يوم يستمر فيه هذا الواقع، يستعيد الحزب موقعه في الرأي العام اللبناني. ويُضاف إلى ذلك حوادث أخلاقية محرجة ارتكبها بعض الجنود داخل منازل المدنيين”. 

ماذا عن قيادة حزب الله؟

ويسأل المقال “ماذا عن قيادة حزب الله؟”، ويجيب: “يمنح نمط القتال الحالي وثيقة تأمين لقيادة الحزب. فرغم التهديدات المتكررة، لم تُنفّذ عمليات اغتيال نوعية بحق قياداته، ولم تُستهدف مواقع عميقة داخل لبنان. ويواصل الأمين العام إدارة المعركة من مخبئه، مدركًا أن الشريك الأميركي يقيّد حسابات الرد. وفي هذا السياق، صدرت تحذيرات بأن استمرار الوضع الحالي لن يسمح بقيام وقف إطلاق نار فعلي، وأن على الدولة اللبنانية ضمان نزع سلاح الحزب، بدءًا من جنوب نهر الليطاني وصولًا إلى سائر الأراضي اللبنانية—فيما قد يُفهم كطرح لتفكيك تدريجي”.

وبحسب المقال: “طوّر حزب الله قدراته في مجال الطائرات المسيّرة، معتمدًا على نماذج منخفضة الكلفة وفعّالة. تُجهّز هذه الطائرات في ورش محلية داخل القرى، وتُزوّد بكاميرات ومواد متفجرة. كما أن استخدام الألياف البصرية يجعل اكتشافها واعتراضها أمرًا بالغ الصعوبة، ما يضطر الجنود أحيانًا إلى إسقاطها بأسلحتهم الفردية. تُطلق هذه المسيّرات من مسافات بعيدة، فيما تبقى طواقم تشغيلها بمنأى عن الاستهداف”.

ويختم المقال: “يتحدث القادة الميدانيون عن أيام إضافية من العمليات لتوفير أوراق ضغط للمستوى السياسي. لكن في الاجتماعات المغلقة، يُقرّ كبار الضباط بالحقيقة المرّة: “إذا عاد سكان الشمال إلى هذا الواقع، فنحن لم نحقق شيئًا”. من دون تفكيك جوهري لقدرات حزب الله، سيظل أي اتفاق مجرد وهم. نجح حزب الله في ربط الساحات المختلفة، بحيث لم تعد المواجهة محلية فحسب. وفي ظل حرب الاستنزاف الجارية، يتآكل الأمن الشخصي لسكان خط المواجهة، بينما يترك الترابط بين طهران وبيروت سكان الشمال لمصيرهم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى