ثروات لبنان البحرية: حدود غير مرسّمة وسباق مع الزمن

الاخبار – ربيع يونس
ثروات لبنان البحرية في شرق المتوسط تُعدّ فرصة لإنقاذ الاقتصاد، لكنها تبقى معلّقة بفعل النزاعات الحدودية، التداخلات الإقليمية والدولية، وغياب القرار السياسي الحاسم.
بين الوهم والواقع، تَعلَق ثروات لبنان البحرية في شرق المتوسط داخل شبكة معقّدة من النزاعات الحدودية، التداخلات الجيوسياسية، والأطماع الإقليمية والدولية.
ورغم أن هذه الثروات قد تمثّل خشبة خلاص للاقتصاد اللبناني المنهار، إلا أن المسار نحو الاستفادة منها لا يزال معطلاً، بسبب تلكؤ الدولة، وضبابية القرار السياسي، وتداخُل الملفات الإقليمية، من سوريا إلى قبرص مروراً بالعدو الإسرائيلي.
بين لبنان وقبرص: خلاف يتجاوز «الخط 23»
في ما يخصّ الحدود البحرية مع قبرص، تتّضح الصورة أكثر, وفقاً لعضو اللجنة اللبنانية التقنية لترسيم الحدود، العميد منير شحادة، الذي يشدّد في حديث إلى «الأخبار» على أن المسألة «ليست مجرد تفصيل تقني، بل نزاع حدودي مفتوح». إذ يشير إلى أن «المشكلة بيننا وبين قبرص ليست فقط حول الخط رقم واحد، لدينا الخطوط 1 حتى 7 وصولاً إلى الحدود السورية، من قال إننا متفقون على هذه الحدود؟».
ما يعنيه شحادة أن الإطار القانوني الذي بُني عليه التفاوض مع قبرص لا يزال هشّاً، وأن ما تم التسويق له حول «الخط 23» لا يلغي ضرورة التفاوض مجدّداً، ليس فقط بين بيروت ونيقوسيا، بل مع دمشق أيضاً، نظراً لتداخل الحدود الشمالية للمنطقة البحرية بين الدول الثلاث. هذه المقاربة، وإن كانت تُعدّ مقاربة مبدئية صحيحة، تصطدم عملياً بعوائق سياسية وإقليمية، أبرزها غياب أي رعاية دولية جديّة تفتح الباب أمام مفاوضات ثلاثية.
-

تمتلك قبرص خبرة تفاوضية وتقنية متقدّمة نتيجة تنسيقها السابق مع إسرائيل (أ ف ب)
يشير شحادة إلى أن «الرعاية الدولية» غير متوافرة حالياً، مذكّراً بأن «وجود حرب في غزة، وملف إيران، والتوتر في الجنوب، يضع ملف الترسيم في أسفل أولويات المجتمع الدولي»، متسائلاً: «هل العالم الآن جاهز لسماع سخافات لبنان مع وجود حرب في إيران وحرب في غزة؟».
تفاؤل حذر
في المقابل، تُبدي، المديرة التنفيذية للمبادرة اللبنانية للنفط والغاز، ديانا القيسي، تفاؤلاً مشروطاً، مشيرة إلى أن «لبنان تجاوز العقبات الرئيسية بعد اعتماد الخط 23 كمرجعية مع قبرص بوساطة أميركية». وتؤكد في حديثها إلى «الأخبار»، أنه «أصبح لدينا مرجعية واضحة، ولا توجد عقبات حقيقية تمنع توقيع الاتفاقية مع قبرص مباشرة».
وتعتبر القيسي أن عملية ترسيم الحدود الجنوبية كانت محطة مفصلية، وأنه «منذ العامين 2022 و2023، أنهى لبنان فعلياً هذا الجزء، لكن الظروف السياسية وحرب غزة أخرجت الملف من الأولويات»، لافتة إلى أن مع انطلاق الحديث عن تسويات رئاسية وحكومية، قد تعود هذه الملفات إلى الواجهة، وتحديداً ترسيم الحدود مع قبرص، كخطوة أولى.
الملف السوري: أكثر تعقيداً وغموضاً
أما الترسيم مع سوريا، فهو يدخل في مسار مغاير تماماً، إذ لا تزال دمشق خارج اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار«UNCLOS»، وتستند فقط إلى تشريعاتها المحلية، وتحديداً القانون رقم 12. ورغم أن لبنان سبق أن وجّه دعوة رسمية للتفاوض منذ عام 2020، لم تُقابل هذه المبادرة بأي تجاوب عملي من الجانب السوري، ما يُبقي هذا الجزء من الحدود البحرية في حالة «معلّقة».
-

«الرعاية الدولية» الجدية أمام مفاوضات ثلاثية غير متوافرة حالياً (أ ف ب)
تلفت القيسي إلى أن «نحو 750 كيلومتراً مربعاً من المنطقة البحرية الشمالية ما زالت غير مرسّمة، بما في ذلك أجزاء من البلوكات 1 و2، وهذا الواقع يُهدّد فرص الاستثمار في جولة التراخيص الثالثة»، خصوصاً أن غياب الإطار القانوني يربك الشركات الدولية التي تفكّر في دخول السوق اللبنانية.
وتُضيف أن «قبرص تمتلك خبرة تفاوضية وتقنية متقدّمة نتيجة تنسيقها السابق مع إسرائيل، ويمكن للبنان أن يستفيد منها»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن الوضع القبرصي الداخلي بين الشطرين اليوناني والتركي قد يشكّل تحدياً إضافياً لأي تسوية شاملة.
الغاز ليس معجزة: الإصلاح قبل الاستخراج
رغم كل الحديث عن الفرص الواعدة، تُشدّد القيسي على أن «لبنان لن يخرج من أزمته عبر النفط فقط، بل هناك حاجة لإصلاح الاقتصاد وتوفير بيئة مستقرة»، مشيرة إلى أن بعض التقديرات المفرطة عن كميات الغاز والذهب الأسود هي أوهام إعلامية.
-

بعض التقديرات المفرطة عن كميات الغاز والذهب الأسود هي أوهام إعلامية (أ ف ب)
وتوضح أن «الاحتياطيات الموجودة لا تُقارن بما هو متوافر في دول مثل قطر أو مصر، لكنها قد تشكّل رافعة اقتصادية إذا أُديرت بشفافية»، معتبرة أن لبنان بحاجة إلى دمج قطاع الطاقة المتجددة – كالشمس والرياح – ضمن خطة وطنية شاملة للطاقة، لا أن يراهن فقط على ثروة تحت البحر قد لا تأتي أبداً.
كل شيء مؤجّل
مع تصريح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأن هناك «اتصالات تُجرى لإعادة إطلاق التنقيب»، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل يستطيع لبنان خوض معركة الترسيم والاستخراج في ظل انقسام سياسي داخلي وتخبط إداري مستمر؟ في رأي شحادة، «كل شيء في لبنان يتم تأجيله»، وهو توصيف يتقاطع مع الواقع المُعاش منذ سنوات.
قد يكون توقيع الاتفاق مع قبرص خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه لن يحلّ المعضلة. فالأزمة الحقيقية لا تكمن في ترسيم حدود بحرية على الخريطة، بل في حدود النظام اللبناني نفسه، الذي يتعامل مع ملف بهذا الحجم كما لو أنه صفقة عقارية بين أطراف فاقدة للثقة، وفاقدة للمشروع.







