وجوه وناس

“مارينا” لكارلوس رويث ثافون : حكاية بنكهة الوداع

يصدر قريباً عن منشورات الجمل كتاب “مارينا” للكاتب الاسباني كارلوس رويث ثافون(رواية لليافعين) ترجمة معاوية عبد المجيد.  

وجاء في تقديم الرواية بقلم ثافون:

صديقي القارئ،

لديَّ اعتقادٌ راسخٌ بأنَّ كلَّ الكُتَّاب – سواء أقرّوا بذلك أم لا – يُفضِّلون كتابًا مُعيِّنًا من بين كتبهم التي ألَّفوها. ونادرًا ما تكون لهذا التفضيل صلةٌ بالقيمة الأدبيَّة الحقيقيَّة للعمل، أو بمدى إقبال القرَّاء عليه في حينه، أو بالحظوظ أو المشقَّات الناجمة عن إصداره. لسببٍ مجهول، يشعر المرءُ بأنَّه أقربُ إلى أحد أبنائه دون أن يستطيعَ شرحَ دوافعه هذه جيِّدًا. بالنسبة إليَّ، من بين الكتب التي أصدرتُها، منذ أن زاولتُ هذه المهنة الغريبة، حوالي العام 1992، أُفضِّلُ “مارينا”.

ألَّفتُ هذه الروايةَ في لوس أنجلس ما بين العامين 1996 و1997. كان عمري حينذاك ثلاثةً وثلاثين عامًا تقريبًا، عندما بدأتُ أظنُّ أنَّ مرحلةَ الشباب الأولى – كما سمَّاها أحدُ البسطاء – تتسرَّبُ من بين أصابعي بوتيرةٍ ثابتة. كنتُ من قبلُ قد أصدرتُ ثلاثَ روايات لليافعين، وحالما باشرتُ كتابةَ “مارينا” أيقنتُ أنَّها ستكون آخرَ كتابٍ أُؤلِّفُهُ من هذا النوع. وكلَّما تقدَّمتُ بهذه الحكاية، بدا كلُّ شيءٍ فيها بنكهة الوداع، وحين أنجزتُها تملَّكَني انطباعٌ بأنَّ شيئًا منّي – شيئًا لا أعرف ما هو حتّى الآن لكنّي أشعر كلَّ يومٍ بأنَّه انبتَّ عنّي – ظلَّ فيها إلى الأبد.

لعلَّ “مارينا” هي الروايةُ الأصعبُ على التصنيف والتوصيف من بين الروايات العديدة التي كتبتُها، وربّما هي أكثرُها شخصيَّةً. وللمفارقة، سبَّبَ لي إصدارُها خيبةَ أملٍ أكثرَ من غيرها. لقد عاشت الروايةُ عشر سنواتٍ بطبعاتٍ رديئةٍ مشوبةٍ بعمليَّات احتيالٍ أربكت قرَّاءً كثيرين، إذ قُدِّمَتْ لهم بما لم تكن عليه. ورغم هذا، ما زال قرَّاءٌ من كلّ فئةٍ عمريَّةٍ واجتماعيَّةٍ يكتشفون بين صفحاتها أشياء جديدة، ويصلون إلى عُلِّيَّة الروح التي يُحَّدِثُنا عنها الراوي، أوسكار.

مارينا تعود إلى البيت في النهاية، والحكايةُ التي يُنهيها أوسكار من أجلها أصبحت الآن في متناول القرَّاء، للمرَّة الأولى بظروفٍ لطالما تمنَّاها مؤلِّفُها. وربّما الآن سأتمكَّنُ، بمساعدتهم، من فهم لماذا بقيت هذه الروايةُ ماثلةً في ذاكرتي كاليوم الذي أنجزتُها فيه، وسأستطيع – على حدّ قول مارينا – أن أتذكَّرَ الأشياءَ التي لم تقع.

كارلوس رويث ثافون

هنا فصل من الرواية خاص بـ”بالمدن” ننشره بالاتفاق مع الناشر:

قالت لي مارينا ذات مرَّةٍ إنَّنا لا نتذكَّرُ إلّا الأشياءَ التي لم تقع. استغرقتُ من الزمن دهرًا لا نهايةَ له لكي أدركَ معنى تلك الكلمات. ولكن، من الأفضل أن أبدأ من البداية، والتي في هذه الحالة ليست سوى النهاية.

في مايو 1980، اختفيتُ من العالَم طيلة أسبوع. لم يعرف أحدٌ مكاني سبعةَ أيَّامٍ وسبعَ ليالي. أصدقاء، وزملاء، ومُعلِّمون، بل وحتّى رجالُ شرطة، هبُّوا للبحث عن ذلك الهارب الذي ظنَّ بعضُهم أنَّه قد مات، أو تاه في طرقاتٍ سيِّئة السمعة، فريسةً لإحدى نوبات فقدان الذاكرة.

وبعد أسبوع، اعتقد ضابطٌ بزيٍّ مدنيٍّ أنَّه حدَّدَ ذلك الفتى؛ المواصفاتُ مُطابِقة. كان المُشتَبَهُ به يجول في محطَّة فرنسا مثل روحٍ ضالَّةٍ داخل كاتدرائيَّةٍ مبنيَّةٍ من حديدٍ وضباب. اقترب منّي الضابطُ كأنَّنا في أجواء روايةٍ بوليسيَّة. سألني إن كنتُ أُدعى أوسكار دراي، إن كنتُ أنا تلميذَ المدرسة الداخليَّة، الفتى المفقودَ دون أثر. أومأتُ بصمت. لا أذكر سوى انعكاس طاق المحطَّة في عدسة نظَّارته.

جلسنا على مقعدٍ بجانب السكك الحديديَّة. أشعل الضابطُ سيجارةً بهدوء، تركها تحترق ولم يرفعها إلى شفتيه. قال لي إنَّ عددًا كبيرًا من الناس ينتظرونني، ليطرحوا عليَّ عددًا كبيرًا من الأسئلة، وتقتضي مصلحتي أن أُحضِّرَ لها إجاباتٍ جيِّدة. أومأتُ من جديد. حدَّقَ إلى عينيَّ، وتفحَّصَني. “في بعض الأحيان، لا يُنصَحُ بقول الحقيقة يا أوسكار”. أعطاني فكَّةً وأشار عليَّ بالاتِّصال بمُوجِّهي في المدرسة الداخليَّة. ففعلتُ. انتظر الضابطُ أن أنهي المكالمة، ثمَّ أعطاني نقودًا لركوب سيَّارة أجرة وتمنَّى لي التوفيق. سألتُهُ كيف كان مُتأكِّدًا من أنَّني لن أختفي ثانيةً. نظر إليَّ طويلًا. “لا يختفي إلّا مَن كان لديه مكانٌ يذهب إليه” – ردَّ حازمًا. رافقني إلى خارج المحطَّة وودَّعَني، دون أن يسألني حتّى أين كنتُ طوال تلك المدَّة. رأيتُهُ يبتعد على امتداد جادّة كولون. وكان دخانُ سيجارته، التي لم يُدخِّنها، يتبعه ككلبٍ وفيّ.

في ذلك اليوم، نحت شبحُ غاودي في سماء برشلونة غيومًا مستحيلةً على خلفيَّةٍ زرقاء تُعمي الأبصار. ركبتُ سيَّارةَ أجرة إلى المدرسة الداخليَّة، حيث تخيَّلتُ فرقةَ إعدامٍ بانتظاري.

وطوال شهرٍ تقريبًا، انهال عليَّ المُعلِّمون والأخصَّائيّون النفسانيّون في المدرسة بأسئلةٍ عارمةٍ لأبوحَ بسرّي. كذبتُ عليهم جميعًا، رويتُ لكلٍّ منهم ما يريد سماعَهُ أو يستطيع تقبُّلَه. ومع الوقت، تظاهر الجميعُ بنسيان تلك الواقعة. وحذوتُ حذوَهم. لم أبح لأحدٍ بما جرى حقيقةً.

لم أكن أعلم حينها أنَّ محيطَ الزمن، عاجلًا أم آجلًا، سوف يُعيدُ لنا الذكريات التي دفنَّاها. فبعد خمسة عشر عامًا، عاد ذلك اليومُ إلى ذهني. رأيتُ ذلك الفتى يتسكَّعُ في ضباب محطَّة فرنسا، والتهبَ اسمُ مارينا مُجدَّدًا كأنَّه جرحٌ حديث.

لكلٍّ منّا سرٌّ موصودٌ في عُلِّيَّة روحه. وهذا هو سرّي.

1

في أواخر السبعينات، كانت برشلونة سرابًا من أزقَّةٍ وطرقاتٍ يُسافِرُ فيها المرءُ ثلاثين أو أربعين عامًا نحو الماضي، وذلك باجتياز عتبة مبنى أو مقهى بكلّ بساطة. الزمنُ والذاكرة، التاريخُ والخيال، ينصهر بعضُها ببعضٍ في تلك المدينة المسحورة كألوانٍ مائيَّةٍ تحت المطر. هناك بالتحديد، في أصداء تلك الشوارع التي لم يعد لها وجود، هَندَسَت الكاتدرائيَّاتُ والقصورُ – الهاربةُ من القصص الخرافيَّة – مشهدَ هذه الحكاية.

كنتُ حينذاك فتىً في الخامسة عشر من العمر، أتهالك بين جدران مدرسةٍ داخليَّةٍ اتَّخذَت اسمَ قدِّيسٍ على سفوح تلَّة بايبيذريرا. وكان حيُّ سارّيا في تلك الأيَّام ما يزال على هيئة بلدةٍ صغيرةٍ عند تخوم مدينةٍ حداثيَّةٍ كبرى. والمدرسةُ في قمَّة طريقٍ يتسلَّقُ من ممشى بونانوبا. واجهتُها الأثريَّةُ توحي بقلعةٍ أكثر من كونها مدرسة. وهيكلُها المُتعرِّجُ، ذو اللون الترابيّ، أحجيةٌ من أبراجٍ وأقواسٍ وأجنحةٍ مُظلِمة.

وكانت المدرسةُ محاطةً بحصنٍ من الحدائق والنوافير، والمستنقعات الطينيَّة والباحات، وغابات الصنوبر الفاتنة. وما حولها مبانٍ كئيبةٌ تحتوي على مسابحَ يحجبها بخارٌ شبحيّ، ونوادٍ رياضيَّةٍ يسكنها الصمت، ومُصلَّياتٍ مُعتِمةٍ تبتسم فيها صورُ القدِّيسين على انعكاس الشموع. وللمدرسة أربعةُ طوابق، ناهيك بالقبوين، وسندرة معزولة يقيم فيها القساوسةُ القلائلُ الذين كانوا يُزاوِلون التعليمَ في تلك الآونة. وتقع غرفُ النزلاء عند الممرَّات الكهفيَّة في الطابق الرابع، الغارقة في عتمةٍ دائمة، تكتنفها أصداءٌ مُريعة.

كنتُ أقضي أيَّامي شاردَ الذهن في قاعات تلك القلعة المهولة، بانتظار المعجزة التي تتكرَّرُ كلَّ يومٍ عند الساعة الخامسة والدقائق العشرين عصرًا. ففي تلك الساعة السحريَّة، تسكب الشمسُ على النوافذ العلويَّة ذهبًا سائلًا، ويُقرَعُ الجرسُ إيذانًا بانتهاء الدروس، فتتاحُ لنا نحن نزلاء المدرسة الداخليَّة ثلاثُ ساعاتٍ من الحرّيَّة قبل موعد العشاء في الصالة الكبرى. فكان يجدر بنا، نظريًّا، أن نُخصِّصَ ذلك الوقت للدراسة والتأمُّل الروحيّ. ولا أذكر أنَّني كرَّستُ أيَّ يومٍ لتلك الأنشطة النبيلة.

هذه اللحظةُ المُفضَّلةُ عندي. أُخادِعُ مراقبةَ الحارس، وأخرج لاستكشاف المدينة. اعتدتُ أن أرجعَ إلى المدرسة قُبيَلَ العشاء، سائرًا في الطرقات والجادّات بينما يُخيِّمُ الظلامُ على كلّ شيءٍ من حولي. تمدُّني تلك النزهاتُ الطويلةُ بإحساسٍ مُسْكِرٍ بالحرّيَّة. تُحلِّقُ مُخيِّلتي ما فوق الأبنية وتلامس السماء. فتختفي طرقاتُ برشلونة، والمدرسةُ الداخليَّة، وغرفتي الكئيبةُ في الطابق الرابع، بضعَ ساعات. أشعر أنَّني رغم إفلاسي أسعدُ الناس حظًّا في الوجود، بضعَ ساعات.

وغالبًا ما دفعني تسكُّعي إلى ما كان يُسمَّى بصحراء سارّيا، وهي ليست سوى جزءٍ من غابةٍ ضاعت في أرضِ لا أحد. فمظعمُ القصور القديمة الفخمة، التي كانت فيما مضى تضخُّ الحياةَ بشمال ممشى بونانوبا، ما زالت قائمة، مع أنَّها خرابٌ تقريبًا. الطرقاتُ المحيطةُ بالمدرسة الداخليَّة ترسم ملامحَ مدينة أشباح. أسوارٌ مكسوَّةٌ باللبلاب تمنع الدخولَ إلى حدائقَ برّيَّةٍ تنهض فيها دورٌ أثريَّة. عماراتٌ اكتسحتها الأعشابُ الضارَّةُ وتعرَّضَت للهجران، وذكراها تحوم حولها كضبابٍ لا ينقشع. وكثيرٌ من تلك الدُّور لا تنتظر إلّا أوانَ هدمها، وأكثرُ منها استُبِيحَت ونُهِبَت على مرّ الأعوام. لكنَّ بعضَها ما يزال مأهولًا.

ساكنوها منسيّون، مُتحدِّرون من سلالاتٍ آفلة. أبناءُ عوائلَ كانت أسماءُ أفرادها تتصدَّرُ الصفحاتِ الأولى من جريدة الطليعة، عندما كان التراموي ما زال يُثير الشكوكَ حول الابتكارات الحديثة. رهائنُ ماضيهم البائد، يرفضون القفزَ عن السفينة الغارقة. يخشون أنَّهم، في حال تجرَّأوا ووطأت أقدامُهم خارج حدود منازلهم المتداعية، تلاشت أجسادُهم كالرماد في مهبّ الريح. كأنَّهم سجناء، يذبلون على ضوء الشموع. وكان يبدو لي أحيانًا، عندما أمرُّ بجانب تلك البوَّابات الصدئة، أنَّني أتلقَّى نظراتٍ مُتوجِّسةً من خلف المصاريع الكالحة.

وذات عصر، في أواخر سبتمبر 1979، قرَّرتُ أن أُغامِرَ عشوائيًّا في إحدى تلك الجادّات المزدحمة بالدُّور الحداثيَّة، التي لم أنتبه إليها حتّى ذلك الحين. كان الطريقُ يرسم مُنعَطَفًا لينتهي أمام بوَّابةٍ كغيرها، تتراءى من خلفها بقايا حديقةٍ قديمةٍ تتَّسِمُ بعقودٍ من الهجران. ومن بين الحشائش يتبدَّى هيكلُ دارٍ تتكوَّنُ من طابقين، وواجهُتها الكئيبةُ تنهض خلف نافورةٍ بمنحوتاتٍ غطَّاها الزمنُ بالطحالب.

هبط الظلامُ وبدا لي المكانُ مشؤومًا. كان يلفُّهُ صمتٌ قاتل، تتخلَّلُهُ نسمةٌ طفيفةٌ لتهمسَ في خاطري تحذيرًا بلا كلمات. أدركتُ أنّي وصلتُ إلى إحدى المناطق “الميِّتة” من الحيّ. وفكَّرتُ أنَّه من الأفضل أن أعودَ أدراجي وألوذَ بمدرستي. كانت تتنازعني الجاذبيَّةُ الهوسيَّةُ لذلك المكان المنسيّ، والرغبةُ في اتِّباع الحسّ السليم، فإذا أنا ألمح عينين صفراوين لامعتين تتلألآن في العتمة، تُوغِلان فيَّ كخنجرين. ابتلعتُ ريقي.

تبدَّى فراءٌ رماديٌّ ومخمليٌّ لقطٍّ مُتسمِّرٍ أمام بوَّابة الدار. ثمّة عصفورٌ يُحتَضَرُ بين فكّيه، وجرسٌ فضّيٌّ صغيرٌ يتدلَّى من عنقه. تفحَّصَتني عيناه برهةً، ثمَّ استدار وتسلَّلَ بين القضبان الحديد. رأيتُهُ يختفي في رحابة تلك الجنَّة الملعونة حاملًا العصفورَ نحو رحلته الأخيرة.

أسرتني رؤيةُ ذلك الحيوان الصغير المتعالي والمتحدّي. لا بدَّ أنَّ له صاحبًا، بالنظر إلى فرائه وجرسه. لعلَّ الدارَ تحتضن شيئًا ملموسًا أكثر من أشباح برشلونة الراحلة. اقتربتُ ووضعتُ يدي على قضبان البوَّابة. كان الحديدُ باردًا. وكانت آخرُ أضواء الغسق تُلهِبُ آثارَ قطرات الدماء التي نزفها العصورُ في ذلك الحرش. كأنَّها لآلئُ قرمزيَّةٌ تخطُّ دربًا في المتاهة. ابتلعتُ ريقي ثانيةً. أو بالأحرى حاولتُ. كان فمي جافًّا. وقلبي، إذ عرف ما كنتُ أجهله، نَبَضَ في صدغيَّ بشدَّة. وهكذا أحسستُ أنَّ البوَّابةَ تتراخى على ثقل يدي، وأدركتُ أنَّها مفتوحة.

عندما خطوتُ الخطوةَ الأولى باتِّجاه الداخل، كان القمرُ يضيء وجوهَ الملائكة الحجريَّة الشاحبة عند النافورة. الملائكة تُراقِبني. تسمَّرَت قدماي في الأرض. توقَّعتُ أن تقفزَ تلك الأشكالُ من قواعدها وتتحوَّلَ إلى شياطين مُدجَّجةٍ بمخالب ذئبٍ وألسنة أفعى. لم يقع شيءٌ من هذا كلِّه. سحبتُ نفسًا عميقًا، وفكَّرتُ في إمكانيَّة الحدّ من تهوُّر مُخيِّلتي، أو التراجع عن استكشافي الخجول لذلك البيت. ومرَّةً أخرى، قرَّرَ أحدُهم عنّي. اجتاح صوتٌ سماويٌّ ظلالَ الحديقة كما لو أنَّه عطر. سمعتُ لمحاتِ ذلك الهمس تنقش أنغامَ مقطعٍ أوبراليٍّ بمرافقة بيانو. كان أعذبَ صوتٍ أصغيتُ إليه في حياتي.

ورغم أنَّ اللحنَ مألوفٌ بالنسبة إليّ، لم أنجح في تحديده. الموسيقى صادرةٌ من الدار. تعقَّبتُ أثرَها الأخَّاذ. تسرَّبَت شفراتُ ضوءٍ بخاريٍّ من الباب الموارب لردهةٍ زجاجيَّة. رأيتُ عيني القطّ تُحدِّقان إليَّ من رفّ نافذةٍ كبيرةٍ في الطابق الأوَّل. اقتربتُ من الردهة المضاءة التي يصدر منها ذلك النغمُ البديع. صوتُ امرأة. ثمّة هالةٌ خافتةٌ قوامُها مئةُ شمعةٍ تختلج في الداخل. أبصرتُ بوقًا ذهبيًّا لغراموفون قديم، وقرصٌ يدور فيه. ودون أن أعي ما أفعله، فوجئتُ بدخولي الغرفة، مفتونًا بصوت تلك الحوريَّة حبيسة الغراموفون. لاحظتُ على الطاولة، التي يعتليها الجهاز، وجودَ غرضٍ لامعٍ ومُدوَّر. ساعةُ جيب. أمسكتُها وعاينتُها على ضوء الشموع. عقاربُها مُتوقِّفة ووجهُها مكسور. بدت أنَّها مصنوعةٌ من الذهب، وأنَّها قديمةٌ قِدَمَ الدار التي وجدتُني فيها. وفي القرب أريكةٌ قديمةٌ مُوجَّهةٌ إلى مدفأةٍ عُلِّقَت فوقها لوحةٌ زيتيَّةٌ لامرأةٍ ترتدي ثوبًا أبيض. عيناها الوسيعتان رماديَّتان، حزينتان وعميقتان، تهيمنان على الصالة.

انتهى مفعولُ السحر على حين غرَّة. نهض خيالٌ عن الأريكة والتفت نحوي. شعرٌ أبيضُ طويل، وعينان تقدحان شررًا في الظلام كالجمر. لم يكن في وسعي سوى رؤية يدين بيضاوين ضخمتين تمتدَّان باتِّجاهي. هُرِعتُ بالركض نحو الباب تحت تأثير الفزع، فتعثَّرتُ بالغراموفون وأسقطتُهُ أرضًا. شعرتُ أنَّ إبرتَهُ تخدش القرص. تحطَّمَ الصوتُ السماويُّ بصرخةٍ جهنَّميَّة. تدحرجتُ إلى الحديقة، وكنتُ أحسُّ باليدين تمسَّان قميصي، واجتزتُها على أجنحة قدميَّ، والهلعُ يكوي كلَّ مسامي. لم أتوقَّف البتّة. ركضتُ وركضتُ دون أن ألتفتَ إلى الخلف، حتّى وخزتني غصَّةُ ألمٍ في خاصرتي، وأدركتُ أنَّني أتنفَّسُ بمشقَّة. كنتُ أتصبَّبُ عرقًا عند ذلك الحدّ، وأضواءُ المدرسة الداخليَّة تلتمع على بُعد ثلاثين مترًا عنّي.

تسلَّلتُ من بابٍ قريبٍ من المطابخ لا يحرسه أحد، وجرجرتُ نفسي حتّى غرفتي. لا بدَّ أنَّ الآخرين كانوا في الصالة الكبرى منذ حين. نشَّفتُ جبيني من العرق، فيما استعاد قلبي إيقاعَهُ الطبيعيَّ شيئًا فشيئًا. وما لبثتُ أن هدأتُ حتّى طرق أحدهم الباب.

–       أوسكار، حان وقتُ العشاء. – نبَّهَني مُوجِّهي، الأب سيغي، وهو يسوعيٌّ عقلانيٌّ لا يُحِبُّ اضطرارَهُ إلى أداء دور الشرطيّ.

–       سأنزل فورًا، يا أبانا. – أجبتُ – لحظة واحدة.

ارتديتُ السترةَ الإلزاميَّةَ بعجالة وأطفأتُ ضوءَ الغرفة. كان شبحُ القمر، الذي ينهض فوق برشلونة، باديًا من النافذة. لم أنتبه إلّا حينذاك أنَّ الساعةَ الذهبيَّةَ كانت في يدي.

نبذة عن كارلوس ثافون

كارلوس رويث ثافون (25 سبتمبر 1964 – 19 يونيو 2020)؛ روائي إسباني اشتهر بكتابته للسلسلة الروائية “مقبرة الكتب المنسية”، والتي تتألف من أربع روايات تُشكّل تيمة أدبية أساسية، ترتبط ببعضها عبر الشخصيات والمواضيع المتعددة، إلا أن كل رواية منها مستقلة عن الأخرى ومنفردة بذاتها.

بدأ حياته الأدبية بالكتابة للناشئة، ونشرت روايته الأولى “أمير الضباب” عام 1993 وحصل على جائزة Edebé الأدبية لرواية الناشئين والأطفال، وهو أيضًا مؤلف لثلاث روايات في هذا المجال -قصر منتصف الليل (1994)، وأضواء من سبتمبر (1995)، ومارينا (1999)، وفي عام 2001 أصدر روايته الأولى للبالغين بعنوان “ظل الريح” التي باعت ملايين النسخ من جميع أنحاء العالم، وأكثر من مليون نسخة في بريطانيا وحدها، وترجمها إلى العربية معاوية عبد المجيد.

وقد نشرت أعماله في 45 دولة وترجمت إلى أكثر من 40 لغة مختلفة، ومن مؤلفاته أيضًا “لعبة الملاك” و”سجين السماء” و”متاهة الأرواح” والتي تشكل جميعها سلسلة مقبرة الكتب المنسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى